سيد قطب
1217
في ظلال القرآن
لا يتمثل في نظام وأوضاع ، الحاكمية فيها للّه وحده من دون العباد . إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية اللّه . فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين . . وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم ، لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية اللّه ، وتغتصب سلطانه ، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد . . وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات ، ويربطها بقضية الألوهية والعبودية ، ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر ، وميزان الجاهلية أو الإسلام . إن المعركة الحقيقية التي خاضها الإسلام ليقرر « وجوده » لم تكن هي المعركة مع الإلحاد ، حتى يكون مجرد « التدين » هو ما يسعى إليه المتحمسون لهذا الدين ! ولم تكن هي المعركة مع الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي - فهذه معارك تالية لمعركة « وجود » هذا الدين ! . . لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر « وجوده » هي معركة « الحاكمية » وتقرير لمن تكون . . لذلك خاضها وهو في مكة . خاضها وهو ينشئ العقيدة ، ولا يتعرض للنظام والشريعة . خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية للّه وحده ؛ لا يدعيها لنفسه مسلم ؛ ولا يقر مدعيها على دعواه مسلم . . فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة ، بسر اللّه لهم مزاولتها الواقعية في المدينة . . فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون . بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين ! وحسبنا هذا القدر لنواجه النصوص بالتفصيل . « وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً . فَقالُوا : هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ . ساءَ ما يَحْكُمُونَ ! » . . يقرر السياق - وهو يصف تصورات الجاهلية وتقاليدها في الحرث والأنعام - أن اللّه هو الذي أنشأ لهم هذه الزروع والأنعام ؛ فما من أحد غير اللّه يرزق الناس من الأرض والسماء . . ثم يذكر بعد هذا التقرير ما يفعلونه بما رزقهم . إذ يجعلون له منه سبحانه جزءا ، ويجعلون لأوثانهم وأصنامهم جزءا ( وطبيعي أن سدنة الأوثان هم الذين ينتهي إليهم هذا الجزء الأخير ! ) . ثم هم بعد ذلك يجورون على الجزء الذي جعلوه للّه . على النحو الذي تقرره الآية ! عن ابن عباس قال : كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزما ، جعلوا منه للّه سهما وسهما لآلهتهم . وكانت إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه للّه ، ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم . وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه للّه إلى الذي جعلوه لآلهتهم ، أقروه ولم يردوه . فذلك قوله : « ساءَ ما يَحْكُمُونَ » . وعن مجاهد قال : يسمون للّه جزءا من الحرث ، ولشركائهم وأوثانهم جزءا . فما ذهبت به الريح مما سموا للّه إلى جزء أوثانهم تركوه . وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء اللّه ردوه . وقالوا : « اللّه عن هذا غني » ! والأنعام : السائبة والبحيرة التي سموا . وعن قتادة قال : عمد ناس من أهل الضلالة فجزءوا من حروثهم ومواشيهم جزءا للّه وجزءا لشركائهم وكانوا إذا خالط شيء مما جزءوا للّه فيما جزءوا لشركائهم خلوه . فإذا خالط شيء مما جزءوا لشركائهم فيما جزءوا للّه ردوه على شركائهم . وكانوا إذا أصابتهم السنة ( يعني الجدب ) استعانوا بما جزءوا للّه ، وأقروا ما جزءوا لشركائهم . قال اللّه ، « ساءَ ما يَحْكُمُونَ » .